ابن أبي مخرمة
55
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
ومر ذو الرمة في بعض أسفاره في بعض البوادي على امرأة من بني عامر بن صعصعة وهي خارجة من خبائها ، فنظر إليها فوقعت في قلبه ، فخرق إداوته ودنى منها يستطعم كلامها ، فقال : إني رجل على ظهر سفر وقد تخرقت إداوتي فأصلحيها ، فقالت : إني واللّه لخرقاء لا أحسن العمل ، وقالت : وإن كنت خرقاء فإني صناع ، هات الإداوة فأعطاها فأصلحتها له . والخرقاء : هي التي لا تعمل شغلا لكرامتها على أهلها ، فشبب بها ذو الرمة أيضا ، وسماها خرقاء ، ومن قوله فيها : [ من الطويل ] وما شنّتا خرقاء واهيتا الكلى * سقى بهما ساق ولم تتبللا بأضيع من عينيك للدمع كلما * تذكرت ربعا أو توهمت منزلا ومن قوله فيها : [ من الوافر ] تمام الحج أن تقف المطايا * على خرقاء كاشفة اللثام ومن قوله يمدح بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري مخاطبا ناقته : [ من الطويل ] إذا ابن أبي موسى بلالا بلغته * فقام بفأس بين وصليك جازر أخذ هذا المعنى من قول الشماخ في عرابة الأوسي يخاطب ناقته أيضا : [ من الوافر ] إذا بلّغتني وحملت رحلي * عرابة فاشرقي بدم الوتين وجاء بعدهما أبو نواس فأوضح هذا المعنى بقوله في الأمين محمد بن هارون الرشيد : [ من الكامل ] وإذا المطي بنا بلغن محمدا * فظهورهن على الرجال حرام قرّبننا من خير من وطئ الحصى * فلها علينا حرمة وذمام فأحسن أبو نواس في هذا المعنى ؛ لأنهما أوعدا ناقتيهما بالذبح ؛ لاستغنائهما عنهما بإيصالهما إلى مطلوبهما ، ووعدها أبو نواس بتحريم الركوب على ظهرها وإراحتها من الكد والأسفار ؛ لتبليغها له إلى من استغنى به عن الأسفار . توفي ذو الرمة سنة سبع عشرة ومائة .